علي بن محمد البغدادي الماوردي
182
أدب الدنيا والدين
فلا يغررك خلّة من تؤاخي * فما لك عند نائبة خليل وكل أخ يقول أنا وفيّ * ولكن ليس يفعل ما يقول سوى خلّ له حسب ودين * فذاك لما يقول هو الفعول وقال آخر من لم تكن في اللّه خلّته * فخليله منه على خطر ( والخصلة الثالثة ) أن يكون محمود الأخلاق مرضيّ الفعال مؤاثرا للخير آمرا به كارها للشر ناهيا عنه فإن مودّة الشرير تكسب العداء وتفسد الأخلاق ولا خير في مودّة تجلب عداوة وتورث مذمة وملامة فإن المتبوع تابع صاحبه . وقال عبد اللّه بن المعتز : إخوان الشرّ كشجر الناريج يحرق بعضه بعضا . وقال بعض الحكماء : مخالطة الأشرار على خطر والصبر على صحبتهم كركوب البحر الذي من سلم منه ببدنه من التلف فيه لم يسلم بقلبه من الحذر منه . وقال بعض البلغاء : صحبة الأشرار تورث سوء الظن وبالأخيار . وقال بعض البلغاء : من خير الاختيار صحبة الأخيار ومن شر الاختيار صحبة الأشرار . وقال بعض الشعراء : مجالسة السفيه سفاه رأي * ومن عقل مجالسة الحكيم فإنك والقرين معا سواء * كما قد الأديم من الأديم « 1 » ( الخصلة الرابعة ) أن يكون من كل واحد منهما ميل إلى صاحبه ورغبة في مؤاخاته فإن ذلك أوكد لحال المؤاخاة وأمد لأسباب المصافاة إذ ليس كل مطلوب إليه طالب ولا كل مرغوب إليه راغب ومن طلب مودة ممتنع عليه ورغب إلى زاهد فيه كان معنى « 2 » خائبا كما قال البحتري : وطلبت منك مودّة لم أعطها * إن المعنّى طالب لا يظفر وقال العباس بن « 3 » الأحنف :
--> ( 1 ) قد الأديم من الأديم : أي كما قطع أحد النعلين على مثال الآخر . ( 2 ) معنى : أي متعبا . ( 3 ) العباس بن الأحنف : أبو الفضل الحنفي ، كان لطيف الطبع ، وخفيف الروح ، رقيق الحاشية ، من الشمائل ، جميل المنظر ، عذب الألفاظ كثير النوادر . وكان إذا سمع الشعر الجيد ترغ له واستخفه الطرب ، وجميع أشعاره في الغزل ، وكانت وفاته سنة 193 .